دور الأشقاء الأتراك في مواجهة الأطماع الصهيونية في فلسطين
الأتراك كانوا سبّاقين في استشراف الخطر اليهودي على فلسطين
فأصدروا أول قانون في التاريخ منع اليهود من سكن فلسطين
زياد ابو غنيمة
من أفدح مظاهر الظلم الذي تعرَّض له أشقاؤنا الأتراك ما يُمارسُ ضدَّهم من تعتيم على دورهم في الحفاظ على فلسطين على مدار القرون الأربعة التي كانت فيها البلاد العربية تحت راية الدولة العثمانية (1516ــ1919 ) ، ولم يعد مقبولا أن يستمر هذا التعتيم ، ولا بدَّ أن تظهر الحقائق ، ولا بد أن يعرف الفلسطينيون والعرب والمسلمون أن الأتراك كانوا سبّاقين في استشراف الخطر اليهودي على فلسطين فكان أول قانون في التاريخ حرَّم هجرة اليهود إلى فلسطين وسيناء ومنعهم من السكن فيهما هو " الفرمان السلطاني " الذي سنـَّـه السلطان العثماني سليم حين دخلت فلسطين والمنطقة العربية في حمى الدولة العثمانية الإسلامية في عام 1516 م ، وبحكم هذا القانون فإن السلطان سليمان القانوني سمح ليهود إسبانيا عندما تعرَّضوا للإضطهاد بالسكن في أراضي الدولة باستثناء فلسطين وسيناء .
ويذكر الأستاذ رفيق النتشه في كتابه ( الإسلام وفلسطين ) أن وزير خارجية بريطانيا بالمرستون اقترح في عام 1842م على السلطان عبد المجيد ( والد السلطان عبد الحميد ) مشروعا وضعه اليهودي البريطاني إيرل . إف . شافتري يتضمَّـن السماح لليهود بالهجرة إلى فلسطين والإستيطان فيها ، ولكن السلطان عبد المجيد رفض المشروع رفضا حاسما ، وعندما تعرض يهود روسيا للإضطهاد في عام 1881 م مارس سفراء الولايات المتحدة والدول الأوروبية في إستانبول ضغوطا للسماح لليهود الروس بالهجرة إلى فلسطين ، كان جواب السلطان عبد الحميد حاسما : " لن أسمح لليهود بالإستقرار في فلسطين ما دامت الإمبراطورية العثمانية قائمة " ، وفي عام 1882 م رفعت جمعية " أحبَّـاء صهيون " مذكرة إلى السلطان عبد الحميد تطلب السماح لإعضائها بالإقامة في فلسطين فرفض السلطان الطلب ، وفي عام 1892م قام أحد زعماء الصهيونية في ألمانيا واسمة فريدمان ببناء مستوطنة عسكرية يهودية في منطقة المويلح والوجه والضبا فأرسل السلطان عبد الحميد قوة عسكرية أجبرت فريدمان و حملته على الجلاء و العودة من حيث أتوا .
القائد التركي العظيم السلطان عبد الحميد صمد
في وجه كل إغراءات وتهديدات اليهود
وشهدت فترة حكم القائد التركي العظيم السلطان عبد الحميد جولات متتابعة من المحاولات اليهودية التي قادها إبليس الصهيونية هيرتزل لإقناعه بالسماح لليهود بالهجرة إلى فلسطين ، وكانت المحاولة الأولى عندما طلب هيرتزل من اليهودي التركي " ديونيس روزنفيلد " رئيس تحرير جريدة ( البريد العثماني ) أن يطلب من عزت بك العابد العربي السوري الدمشقي السكرتير الشخصي للسلطان عبد الحميد إقناع السلطان عبد الحميد بالعدول عن تشدُّده إزاء منع هجرة اليهود إلى فلسطين مقابل مساعدات مالية من اليهود لدعم الخزينة العثمانية ، فاعتذر روزنفلد عن المهمة وصارح هيرتزل بأنه لايجرؤ على مجرد التحدُّث بهذا الموضوع لتيقنه من الموقف المتشدد الذي يقفه السلطان إزاء هذا الموضوع ، وعندما واجه السلطان عبد الحميد مشاكل مع الأرمن تعهد هيرتزل للسلطان بإقناع الأرمن بوقف نشاطاتهم وتقديم عشرين مليون ليرة تركية كهدية للسلطان مقابل السماح بهجرة اليهود إلى فلسطين فرفض السلطان عرض هيرتزل ، وعاد هيرتزل ليحاول زحزحة السلطان عن تشدُّده فطلب من اليهودي التركي جاويد بك وهو من يهود الدونمة تقديم عرض جديد للسلطان يتضمَّـن إغراءات مالية ضخمة مقابل السماح لليهود بالهجرة إلى فلسطين ، ولكن جاويد بك ، كما يعترف هيرتزل في يومياته أبلغه بأنه لا يستطيع مخاطبة السلطان عبد الحميد في هذا الموضوع لأنه سيرفض حتما أي اقتراح بإقامة دولة يهودية ، ولكن هيرتزل ألحَّ على جاويد ليقوم بترتيب لقاء شخصي له مع السلطان ليقدم له بنفسه عرضا يهوديا جديدا ، ورفض السلطان رفضا قاطعا مقابلة هيرتزل ، فاكتفى هيرتزل بإرسال العرض بواسطة جاويد بك ، وكان عرضه هذه المرة أسخى من كل العروض السابقة إذ أبدى هيرتزل استعداد اليهود لتقديم منحة مالية فورية بمبلغ عشرين مليون جنيه إسترليني تعتبر كرسوم هجرة عن اليهود الذين سيسمح لهم السلطان بالهجرة إلى فلسطين ، وكان جواب السلطان عبد الحميد على هذا العرض السخي الرفض القاطع ، وعندما أصدر هيرتزل صحيفة ( العالم / De welt ) في 4 حزيران 1897م لتكون منبراً للحركة الصهيونية عرض هيرتزل على الخليفة عبد الحميد استعداد اليهود لوضع صحيفتهم الجديدة في خدمة الدولة العثمانية مقابل ان يظهر الخليفة عبد الحميد مشاعر العطف على القضية اليهودية فرفض عبد الحميد عرض هيرتزل .
هيرتزل يعترف : تأسيس الدولة اليهودية في فلسطين
في حكم المستحيل بوجود الدولة العثمانية
وإزاء هذه المواقف الصلبة للقائد التركي العظيم السلطان عبد الحميد أفرغ هيرتزل خيبة أمله من إمكانية تغيير موقف السلطان عبد الحميد في تقريره الذي قدمه للمؤتمر الصهيوني الأول (29 آب – 1 أيلول 1897 ) حيث ذكر فيه حرفيا : " إنه ما لم تتراجع الدولة العثمانية عن رفضها المتشدِّد إزاء هجرة اليهود إلى فلسطين فأن تأسيس الدولة اليهودية في فلسطين سيكون في حكم المستحيل " ، ولجأ هيرتزل إلى تكتيك جديد فوجَّـه المؤتمر إلى اتخاذ قرار يطالب بصدور " ميثاق دولي " تتبناه الدول الأوربية وأمريكا لتأييد فكرة إنشاء دولة يهودية في فلسطين ، وقامت الدول الأوربية و أمريكا بالضغط لإقناع الدولة العثمانية بالموافقة على "الميثاق الدولي" ،ولكن عبد الحميد لم يأبه بتلك الضغوط .
وحين وصلت أنباء نجاح اليهود في شراء بعض الأراضي في فلسطين إلى مسامع الخليفة عبد الحميد سارع للقيام بحركة تطهير استهدفت إقصاء جميع موظفي الدولة الذين تواترت الأدلة على تورُّطهم في تسهيل الهجرة غير القانونية لليهود وتسهيل شرائهم للأراضي ، واستبدلهم بموظفين من رجاله الثقاة وعلى رأسهم توفيق بيك الذي عيَّـنه متصرفا للقدس والذي بدأ فور وصوله في ترحيل كل يهودي تسلل إلى فلسطين عن طريق غير قانونية ، وعمد عبد الحميد في حزيران 1898 م إلى إصدار قانون جديد يؤكد إصرار الدولة العثمانية على التصدِّي لأي شكل من أشكال التسلل إلى فلسطين ، وقد نص القانون الجديد على ما يلي : " لا يُسمح لليهودي الأجنبي من أية تابعية (جنسية ) غير التابعية العثمانية بزيارة فلسطين إلا بقصد الزيارة الدينية فقط شريطة أن لا تتعدَّى إقامته أكثر من ثلاثين يوما " ، وأثار
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ