عزيزي جورج ، أوجعني رحيلك

كتبهازياد أبو غنيمة ، في 29 حزيران 2009 الساعة: 18:18 م

صواريخ… كلام

عزيزي جورج ، أوجعني رحيلك…

زيــاد أبو غنيمة

 

على غير عادتي أفقت فجر الأمس مقبوض الصدر يتملكني هاجس أنني سأفجع بعزيز ، وما هي إلا سويعات حتى كنت أفجع فعلا بخبر رحيل العزيز جورج حداد ، زميل الصف الواحد ، وشريك الرحلاية الواحدة ، ورفيق الدرب الواحد في حمل هموم الأمة والدفاع عن كينونتها وهويتها ، صحيح أنه كان قوميا سوريا وكنت وما أزال أحمل فكر الإخوان المسلمين ، إلا أننا كنا نلتقي في الكثير الكثير ، نلتقي في أن الخطر الصهيوني خطر ماحق بالأمة عليها أن تتصدى له بكل السبل وأولها طريق المقاومة ، ونلتقي في أن القطرية والإقليمية داء عضال يفتك بالأمة ويفكك وحدتها الجغرافية ، وأن الوحدة هي السبيل الوحيد في مواجهة داء القطرية العضال ، ولا بأس أن نبدأ بوحدة بلاد الشام ، سوريا الطبيعية بجناحيها الشمالي ( سوريا ولبنان ) والجنوبي ( الأردن وفلسطين ) ، كخطوة نحو تحقيق الوحدة العربية الشاملة .

على مقاعد الدراسة في مدرسة العروبة في إربد عرفت العزيز جورج أول ماعرفته ، ولأمر ما اختاره والدي الذي كان صاحب المدرسة ومديرها شريكا لي في رحلاية الصف التي  تتسع لتلميذين فقط ، ومنذ ذلك الوقت قبل أكثر من ستين عاما لم أنقطع عن جورج ولم ينقطع عني ، حتى عندما وهن العظم مني ومنه كان يهاتفني وأهاتفه ، يمازحني وأمازحه ، ويبثني وأبثه لواعج الألم على حال الأمة ، وأكثر ما كان يشكو منه أن الخيانة صارت وجهة نظر ، وعندما يشعر بالتعب يقول لي : تعـَّبتني يا مقلعط ، إحكي بعدين ، ولقب المقلعط ( المتـَّـسخ الوجه والثياب ) هو واحد من عديد من الألقاب كان العزيز جورج يتفنن في إسباغها علي ، القزعر ( قصير القامة ) ، أبو حويلة ( كنت أحولا في صغري ) ، نص إنصيص ( ضئيل الحجم ) ، أبو بريص ( حشرة تصدر أصواتا مزعجة ) .

يعيدني رحيل العزيز جورج ستين عاما ونيف إلى الوراء ، أتذكر جورج رابع أربعة كنا لا نكاد نفترق في كل مراحل الدراسة الإبتدائية والإعدادية والثانوية ، لا داخل مدرسة العروبة التي كنا ندرس فيها ، ولا خارجها ، جورج وزياد وسامح الرجال وغسان زيتون ، تلك أيام لا تنمحي من الذاكرة ، أذكر أن جيلنا كان يتنفس السياسة مع أوكسجين الحياة ، قلـَّـما تجد طالبا لا ينتمي إلى حزب أو لا يتعاطف مع حزب ، كان جورج وغسان من أبرز ناشطي الحزب السوري القومي الإجتماعي على الساحة الطلابية ، وكنت من ناشطي الإخوان المسلمين ، وكان سامح الرجال مترجرجا بين أن ينحاز لأخيه عبد القادر الناشط في حزب البعث ، وبين أن ينحاز إلى صديقيه القوميين السوريين جورج وغسان ، أو إلى صديقه الأخ المسلم زياد ، ذات يوم دعاني جورج لزيارة صديقه ميشيل الذي كان صاحب أشهر ستوديو تصوير في إربد ، وكان من أركان الحزب السوري القومي ، ولأنني كنت وما أزال منفتحا على الجميع دون أن أساوم على مبادئي فقد لبـَّـيت دعوة جورج وصحبته إلى منزل الرفيق ميشيل ، لكنني فوجئت أنني أشارك في حفل حزبي لتأبين زعيم الحزب القومي السوري أنطون سعادة الذي أعدمته حكومة لبنان التي كان رئيسها رياض الصلح ، وعندما سمعت في كلمات التأبين كلاما عن أن الزعيم أنطون سعادة قدّم حياته ثمنا لمواقف الحزب المتشدَّدة ضد الخطر الصهيوني ، تذكرت أن مؤسِّـس جماعتنا الشيخ حسن البنا قدَّم حياته أيضا ثمنا لمشاركة متطوعي الجماعة في الحرب ضد العصابات الصهيونية في فلسطين ، دار الرفيق ميشيل بكأس أصغر من فنجان قهوة مليىء بسائل أحمر اللون ، وصل إلي فاعتذرت أن أشرب شيئا لا أعرف أحلال هو أم حرام ، حاول ميشيل أن يحبب لي أن أجرِّب ، كررت الإعتذار ، تدخـَّـل جورج : " فكـَّـك منه ، هذا لوح إخوان مسلمين بشربش" ، في ختام الحفل وقف الجميع ، ووقفت معهم ، ردَّدوا أحد شعارات الزعيم :" إن الدماء التي تجري في عروقنا هي ملك للأمة ، متى طلبتها وجدتها " ، ثمَّ أقسموا بقسم الثأر لدم الزعيم ، ولم تمض أسابيع حتى كان رئيس وزراء لبنان رياض الصلح يتخبط بدمائه في طريقه إلى مطار ماركا ، ووجه الإتهام باغتياله يومها للقوميين السوريين كان من بينهم أحد ناشطي الحزب في إربد أستاذنا ظافر حشيشو .

ذات مظاهرة ، وكان الطلاب العمود الفقري لكل مظاهرة ، لاحظ جورج بين الطلاب طالبا كنا نسميه الجاسوس وكان جورج يصر على تسميته بالداسوس لأنه كان ينقل أسماء الطلاب المشاركين في المظاهرات إلى قريب له في الشرطة ، تفتقت لجورج فكرة طريفة للإنتقام من الداسوس وتلقينه درسا لا ينساه  ، تسلل جورج حتى أصبح أمام الداسوس مباشرة ، وفجأة وبحركة مباغتة إذا بجورج ينهال على الداسوس ضربا ورفشا متهما الداسوس بأنه حاول التحرش به ، وما هي ألا لحظات حتى كانت عشرات الأيدي والأرجل تتناوش الداسوس ، وبعد تلك المظاهرة افتقدنا الداسوس في مظاهراتنا وخاصة تلك التي يكون فيها جورج حداد .

عزيزي جورج ، أوجعني رحيلك .

 عزيزي جورج ، طوبى لك ، عشت نقيـَّـا ً ومتَّ نقيَّـا ً .

 Ziad_1937@yahoo.com

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات, منوعات | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

4 تعليق على “عزيزي جورج ، أوجعني رحيلك”

  1. د. عيدة مصطفى مطلق قناة قال:

    الأخ الكريم أبو محمود
    سلام الله عليك .. والله لقد أوجعني كما أوجعك والمئات مثلنا من متابعي ومعارف أبو أدونيس .. الذي ما عرفناه إلا صلباً طيباً .. لي معه بعض المناكفات لا أنساها .. تعود لحقبة الستينات حين كان جورح يعمل في التربية في اربد .. منها ما هو عام وفكري ومنها ما كان شخصياً .. جورج قضى مناضلاً مراً ضد الضهيونية .. وفي سبيل قضايا الأمة .. وعجيب أمر البشر فبعضهم حين يختلفون في مواقفهم وأفكارهم يدأبون على تعميق الاحتلاف المؤدي إلى الافتراق والقطيعة.. ما أعجبني في مقالتك هو ذلك التركيز على المشترك الجميل رغم ما بينكما من اختلافات .. فحبذا لو أن الناس يحترمون المشتركات في ما بينهم ويوسعونها عندها سوف يجدون انفسهم وقد انحصرت اختلافاتهم في بقع ضيقة لن تفسد للود بينهم قضية ..
    ليحفظك الله أخي زياد .. وأقول نعم والله إن رحيل جورح حداد أوجعنا وترك فراغاً يصعب تجاوزه
    أختك
    د. عيدة مصطفى مطلق قناة

  2. الاستاذ زياد حفظه الله
    أطال الله في عمرك وبارك الله لكم ولنا فيه،وبحق هذا المقال يجب ان يدرس للاجيال لكل انسان يرجو العيش الرغيد يالمحبة وعلى تعزيز المشترك في قضايا الامة ذات الاهمية واولوية لنتمكن من البقاء في ظل الهجمة الصهيوامريكية علينا لا نفرق مسلمين ومسيحيين.
    رحم الله الفقيد صاحب الفكر العروبي المسلم المستنير وعزائنا بالرجال الرجال في هذه الامة وحتى النصر المبين

  3. أيوه يا استاذ زياد لا بأس من مصاحبة هكذا عينة من الرجال حتى لو كان مسيحيا ولكن…..

    ان يأخذك الى حفل حزبي ويقدم فيه الخمور ويقول لك _ ولو عن طريق المزاح_ هذا لوح اخواني وانت ترضى وتعتبره ضرب من المزاح!!!! لا ادري كيف تقبل ان يسفه عقلك ويتهمك بالجهل ( اللوح) وانت تقبل بهذا ضاحكا
    مع ان تحريم الخمر من صميم عقيدتك والتي لا يجادل في حرمتها اثنان

    كان الأولى بك أن تلقن من قدم لك الخمر ومن اطلق التعليق الساخر درسا لا ان تستمر بصحبتك له

    انت من جماعه كان من المفروض ان تعطي الاولويه لدينها وعقيدتها اكثر من المواقف الوطنيه والسياسيه لهذا اوذاك

    فبفضلك وفضل جماعتك ( السابقه) صار الشيعة والبعثيين والشيوعيين وبعض النصارى اصدقاء وحلفاء في المصير بغض النظر عن موقفهم من دينك
    واختم بقوله تعالى (( لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله))

  4. خالد مصطفى قناة / فانكوفرـ كنـدا قال:

    خالد مصطفى قناة / فانكوفر ـ كنــدا.
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    أستاذ زياد ، أحيي فيك هذه الهمة وهذا الرثاء الصادق وسرد بعض التفاصيل الدقيقة التي جمعت بينكما في زمن الدراسة والعمل السياسي مع لصديق العمر ، وهذا يدل دلالة قاطعة أنه لا طائفية في الأردن وخاصة بين جيل المتنورين والمثقفين أمثالكم ، ويؤسفني ما ورد في التعليق الثالث (سمعه فال) اذ قام بنبش الحساسيات التي لا لزوم لذكرها في هذا المجال ، والتي تعيد وتؤكد على أمراض الطائفية البغيضة التي يحلو للبعض في ولوجها ، فقط لمجرد أن يقال ( فلان حكى ) ودمتم.



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر